عبد الملك الجويني

553

نهاية المطلب في دراية المذهب

كل جمعة بوعظ الناس ، وكيف يتحقق مع هذا تجويز ترك الإصغاء إلى الخطبة ؟ ولو جاز ذلك ، لما كان في إيجاب حضور أربعين من أهل الكمال معنىً وفائدة ، ولوجب أن يسوغ أن يحضروا ويناموا ، والإمام رافع عقيرته ، ويجب على مساق هذا ألا يجب على الخاطب رفعُ صوته بالخطبة . ولا يعتقد هذا ذو بصيرة في المذهب ، وقد اشتد نكير أئمتنا على أصحاب أبي حنيفة ( 1 ) لما قالوا : ينعقد النكاح بحضور شاهدين لا يفهمان عقدَ النكاح ، وقالوا : من لم يفهم من تخصيص النكاح بحضور الشهود أن الغرض أن يتحملوه ويفهموه ، فقد بعدوا ، وتناهَوْا في العناد والجحد ، فيجب من ذلك القطعُ بأنه يجب حضورُ أربعين من أهل الكمال ، ويجب أن يُصغوا ، ويجب على الخاطب أن يُسمعهم أركان الخطبة ، ولو حضر من حضر ، وارتفع منهم اللغط على وجه لا يتأتى معه السماع ، فهذا قطعاً بمثابة ما لو لم يحضروا ، أو انفضُّوا وانصرفوا ، وإذا كان كذلك ، فيجب تنزيلُ القولين وتقدير تفريعهما على وجه ، فنقول : إذا اجتمع في بلدة من أهل الكمال مائة ألفٍ مثلاً ، فيجب عليهم إقامةُ الجمعة ، ولكن لا يجب عليهم الاستماع ؛ فإنَّ ذلك غيرُ ممكن ، وإقامة الجمعة من جميعهم ممكن ، فيجب الاستماع من أربعين منهم لا بأعيانهم ، فنقول : لو شهد أربعون من أهل الكمال ، وبعُدَ الآخرون ، سقط [ الفرض ] ( 2 ) في الاستماع [ عن ] ( 3 ) الكافة ، ولو حضر جمع زائدون على الأربعين ، ففي وجوب الإنصات على آحاد من حضر ، وأمكن الاستماع منه القولان . ووجه خروجهما أنا لو جوّزنا لكل واحد أن يتكلم ، تعويلاً على أنه يبقى أربعون غيرُه ، لجرّ ذلك جواز التكلّم ، من كل واحد ، وهذا يُفضي إلى أن يتكلم جميعُهم ، فَيُفْضِي ذلك إلى سقوط الاستماع رأساً ، فهذا يضاهي ما لو تحمل جماعة شهادةً ، وكان الحق يثبت بشاهدين ، فإذا طالب ذو الحق واحداً منهم بإقامة الشهادة ، ففي جواز امتناعه عن الإقامة ، تعويلاً على أن الغرض يتحصل بغيره خلاف معروف في

--> ( 1 ) قضية فَهْم شهود النكاح لما يجري في مجلس العقد موضع خلاف عند الحنفية . ( ر . البحر الرائق : 3 / 94 ، 95 ، حاشية ابن عابدين : 2 / 273 ) . ( 2 ) في الأصل ، وفي ( ط ) : الغرض . وهذا تقدير منا رعاية للسياق . وقد أكدته ( ل ) . ( 3 ) تقدير منا رعاية للمعنى ، وفي النسختين : من . وهذا أيضاً أكدته ( ل ) .